الاصطفاف السياسي...
- 28 août 2016
- 3 min de lecture

يتمركز مفهوم الدولة المدنية في وسط السجال الدائر بين الأحزاب المتنافسة انتخابيا في المغرب. ففي الوقت الذي يتهم فيه التيار العلماني نظيره الإسلامي بكونه يستخدم هذا المصطلح لترويج وصوله للسلطة وإخفاء رغبته في فرض أنظمة معينة على الناس، يرد عليه الأخير بأنه إنما يستخدم هذا المفهوم لإيهام الناس بأنه يقف ضد التطرف الديني، في حن أنه يمارس هو ذاته تطرفا مدنيا وتخويفا لا مبرر موضوعي له سوى إحكام القبضة على المجتمع، وأما المواطن العادي فهو حائر بين وسط هذه الاتهامات المتبادلة وعينيه جامدين على واقع معيشه وما الذي يتغير حقيقة لما يتم الانتقال من جبهة إلى أخرى.
تعتقد فئة كبيرة من المواطنين أن مفتاح حل المشاكل الفردية والجماعية للمغرب وتحقيق السعادة العامة هي الانطلاق بالسرعة القصوى نحو نموذج الدولة المدنية، حجتها ودليلها في ذلك أن الغرب نفسه جرب أنماط عديدة من النماذج ولم يفلح من بينها إلا النموذج المدني، لكنه في الآن نفسه وبالموازاة مع وضوح الرؤية والتصور يحار في إيجاد واختيار الفاعل السياسي القادر على قيادة هذه الانطلاقة. فمعظم الأحزاب السياسية غارقة بخصوص هذه النقطة في تخوين بعضها البعض ونصب المكائد وحياكة الدسائس والوشايات، اعتقادا منها أنه بذلك توثق طروحاتها المبدئية الآنفة الذكر حول استغلال مصطلح الدولة المدنية.
وأمام هذا السجال والحيرة حدث انتقال تدريجي، بوعي أحيانا وبغيره في أحايين كثيرة، لكثير من الناخبين نحو مقاربة جديدة ونوعية في الاصطفاف السياسي قائمة على الاختيار اللحظي الآني والتكتيكي وبعيدة عن بؤرة الخطاب حول نموذج الدولة، فاليوم قد أكون مع الحزب الإسلامي لأن عطائه في مجال الخدمات الاجتماعية أو خدمات القرب أو تصوره للتطوير الحضري او للحكامة ممتاز، وغدا ربما أدعم معارضه الليبرالي أو اليساري العلماني لأن طروحاته الجيوستراتيجية أو السياحية أو المالية جيدة، و قد أعزف على وثر الرفض أمام كل الأطراف، وقد أغرد مع الجميع حينما تلتقي الأطراف على الأمور الجامعة. لذا فإنه لا يستطيع اليوم أي حزب مهما كانت قوته التنظيمية أو التمثيلية أو حتى حظوته المفترضة داخل الدولة أن يدعي أن الذين صوتوا له قد منحوا له التوكيل العام، الدائم والمفتوح ليفعل ما يشاء كيفما شاء، وأن اصطفاف الهيئة المصوتة وراءه ثابت ولن يطاله أي تغيير مستقبلي..، بل لو نظرنا إلى المصوتين فردا فردا لهالك حجم الرؤى ودوافع الاصطفاف، فمن مصوت فقط لأن المرشح ألقى عليه تحية الصباح، مرورا بآخر"ى" تأثر بالشاب الذي يوزع بطاقات الدعوة لخطاب دعائي لأنه وسيم أو خلوق..، ثم بآخر اقتنع بصدقية الوعود..، وهكذا إلى قمة الهرم الدقيق حيث نجد أصحاب العقيدة الحزبية ومتمثلي القناعات الديموقراطية التعددية. وكم كانت حسرة قيادات حزب الاتحاد الاشتراكي "مثلا" عميقة وهم يكتشفون بشكل متأخر أن سلوك الاصطفاف السياسي قد تغيرت وأن الناس قد ضربوا الوشاح بينهم وبين براديغمات المشروعية التاريخية والسبق النضالي والفزاعات الحضارية المختلقة، وأن البقية الباقية منهم لم تعد تستطع إعادة بناء الحزب وفق المتغيرات المتسارعة..
يجرنا التساؤل عن أسباب هذا التحول الجديد في سلوك الاصطفاف السياسي للمواطن إلى البحث في جدور المأزق الذي خلقته هذه الأحزاب لنفسها عندما صنعت لنفسها خطابين متوازيين: الأول حول المفاهيم الكبرى ومن بينها نموذج الدولة المدنية وهو موجه للمثقفين ويصلح كمادة للتناظر الراقي بين الأحزاب، والثاني بسيط وموجه للعموم ومنحصر في هواجس المعيش اليومي منسحبة بالتالي من فضاء استراتيجي هام مرتبط بتعريف هذه الشريحة العامة من المواطنين بمقارباتها و تصوراتها المدنية لوطن المستقبل وكيفيات تنزيلها، لفائدة مؤسسات أخرى مستقلة عن تقلبات التداول السياسي، لم ينتخبها الشعب ولا يمكن أن يمارس عليها أية رقابة..، هذا الغرق أو الانغماس الطوعي لم يكن مبعثه سوى الاستقراءات الشعبية التي تشتغل عليها مؤسسات هذه الأحزاب، ليس للتأثير فيها إيجابا وفق الكليات الناظمة لسلامة المجتمع، بل من أجل تصريفها كخطاب استدماجي لتوسيع أوعية الاصطفافات وذلك كلما حلت مناسبة استحقاق انتخابي جديد، وعلى أساس هذا الطرح فإن منع استقصاءات الرأي كان الهدف منه في جانب من جوانب منعه محاربة التقليد الذي قد تمارسه بعض الأحزاب المتأخرة في الترتيب لتلك المتقدمة وهو الأمر الذي قد يزيد من تشابه البرنامج والخطابات ويكرس بالتالي من تفاهة التنافس.
هو الاصطفاف السياسي إذن وفق الخصوصية المغربية: ظرفي، متقلب، وتحكمه جزئيات بسيطة في حياة الشعب، وفي نفس الآن رهيف غير متماسك ولا يمكن توقع مآلاته.... يتبع..





Commentaires